Ready Steady Go!

June 30, 2018

* لقراءة أفضل, استخدم شاشة الكمبيوتر عوضا عن الجوال.

 

السلام عليكم

 

يظن طالب الدراسات العليا أن أصعب مرحلة في دراسته تنتهي بتمام الجزء العملي او التجارب, حتى يبدأ مرحلة الكتابة. في السنين الأًول من الدراسة, يركز كثير من الطلاب على تطوير المهارات العملية التي تدعم الجزء العملي من رسالتهم ويتجاهلون تطوير مهاراتهم الكتابية التي لا تقل شأنا عن العملية, متغاضين عن حقيقة أن جل تقييمهم النهائي سيكون مبني على الرسالة او التقرير النهائي, وليس تقييم مهاراتهم العملية بشكل مباشر. 

تكمن صعوبة مرحلة الكتابة في كون أن الباحث يرتدي قعبة جديدة لم يسبق له ارتادؤها من قبل, ألا وهي قبعة الكاتب الأكاديمي القصصي, وهي قبعة مقاسها قد لا يستوعب رؤوس الكثير.  قد يتصور الباحث أن كل ما يحتاجه لبدء الكتابة هو إلمام جيد باللغة (على الأغلب الانجليزية), لكن في ظني أن مهارة اللغة ماهي إلا لؤلؤة وحيدة منظومة في عقد كبير. مثلا في السنة الأولى من الدكتوراة, كان هناك عدد لا بأس به من الطلاب اللامعين من معملي في جامعة شفيلد ممن لغتهم الأم هي الانجليزية, والذين توصلوا الى نتائج مفصلية في ابحاثهم واستقتطبتهم شركات كبرى مثل Google, Microsoft و Nvidia . هؤلاء الطلاب فشلوا في أول اختبار كتابي (تقرير ترقية الدكتوراة) والسبب: الكتابة الأكاديمية الضعيفة, وهذا دليل كاف على أن إتقان اللغة وحدها لاتكفي!

مرحلة الكتابة تعتبر مرحلة حرجة لأن الرسالة هي في الأصل رواية أكاديمية. أنت تحتاج الى الابداعية في كتابة قصة ملحمية عن نتائجك مهما كان تضادها وتضاربها وغرابتها, تجذب انتباه القارئ بشكل عام والممتحن بشكل خاص! ربما سبق لك ان شاهدت مسابقات الطهي التي يُتحدى فيها الطاهي بأن يصنع وجبة شهية للحكام من مكونات غير مألوفة ولم يُعتاد ان تتمازج مع بعضها البعض.  نعم اخي\اختي الباحث\ه .. أنتما ذلك الطاهي في هذه المرحلة!

لم يجف بعد حبر رسالتي للدكتوراة لذلك أحببت في هذا المقال أن أشارك بتجربتي في الكتابة وما شاهدته وسمعته ولامسته من خبرات الطلاب والأكاديمين من مختلف الثقافات.  أحاول هنا عرض الدروس المستفادة في خط زمني من ثلاث مراحل اسميته

 

READY . STEADY ..GO!

 

أو جاهز.. استعد .. انطلق لكتابة رسالة البحث (ماجستير كانت او دكتوراة)

مرحلة جاهز READY

 

التوقيت: قبل الشروع في الدراسة – إلى نقطة تقديم المقترح البحثي وتقرير الترقية

 

تحتاج الكتابة الى الكثير من الاستعداد الذي يتضمن التسلح بمهارات مختلفة. هنا اسرد بعض التجارب التي قد تساعك في الاستعداد.

 

 

  • أكتب واقرأ, اينما كنت, حيثما كنت وكيفما شئت

 صورة 1: أدمغة الكتاب المتمرسين بعد الفحص تظهر نشاطا أكبر في المناطق ذات العلاقة في الدماغ (المصدر).

 

وجدت دراسة طبقت على سائقي الأجرة والباص في لندن أن حجم مركز التنقل والملاحة (navigation)  في أدمغة سائقي الاجرة (ما يسمى بقرن آمون او hippocampus)  كان أكبر لدى سائقي الاجرة من سائقي الباص. ما يميز سائقي الأجرة هو خبرتهم المكتسبة في تذكر اسماء 25 ألف شارع في لندن والبحث عن طرق مختصرة للهروب من زحام طرق لندن الخانق, بخلاف سائقي الباص الذين يتبعون مسارا محددا دائما فلا مجال هنا للابداع والتفكير. هذه الدراسة دليل على قوة ما يسمى بالتدريب القائم على الخبرة او التعلم الادراكي (perceptual learning)  وهو تعلم ذا تأثير قوي قادرة على اعادة تشكيل مراكز الخبرات في الدماغ (brain plasticity). التعلم الأداركي القائم على الخبرة له تطبيقاته في مهارة الكتابة أيضا, ففي دراسة مماثلة تقارن أدمغة الكتاب المتمرسين بالكتاب المبتدئين باستخدام سكانر fMRI وجدت نشاطا أكبر في منطقة النواة المذنبة (caudate nucleus)  في الدماغ لدى المتمرسين. هذا يعني أن ممارسة الكتابة بشكل مستمر يجعلك تستخدم أجزاء أكبر من دماغك.  الشاهد أن مهارة الكتابة تصقلها الخبرة التراكمية الناتجة من الممارسة والتدريب المستمر.  لذلك, مارس الكتابة  بكافة أشكالها وألوانها, بأي لغة شئت (في البداية ثم حول الى لغة البحث) وفي أي موضوع هويت. اكتب كان ذلك في دفتر أو على سبورة, في مدونة أو حتى في تويتر. اكتب لتعبر عن فكرة أو تناقش موضوعا ما, أولتوثق خاطرة أو حدثا مهما, اكتب لتجادل وتدافع عن رأيك .. اكتب وأسهب في الوصف والتحليل و أبدع في التنويع في المفردات .عود دماغك على مهارة الكتابة, فكل ما علمته أعطاك قوى أعظم للابداع.

 

في المرحلة الأولى من الدكتوراة, هناك فرص متعددة يمكنك استغلالها في التدريب على الكتابة و الحصول على تغذية راجعة من مشرفك, مثلا كتابة:

 

1. المقترح البحثي و تقرير الترقية.

 

2. التقرير الاسبوعي للمشرف.

 

3. تلخيص نقاط اجتماعك الأسبوعي على شكل تقرير مصغر.

 

4. طلب الموافقة على أخلاقيات البحث لتجاربك (اذا تطلب ذلك).

 

5. طلبات المنح (اذا تطلب ذلك).

 

6. بعض الجامعات تتطلب ان يكون لديك صفحة على الانترنت والتي شخصيا اعتبرها فرصه جيده للكتابة التسويقية.

 

أما القراءة فهي أخت الكتابة, وكما يتعلم الموسيقون تأليف الموسيقى عبر سماعهم لموسيقى الآخرين, نتعلم الكتابة عبر قراءة كتب الآخرين. لا يخفى على أحد التأثير الكبير للقراءة على جودة الكتابة, فالقراءة ( أكاديمية كانت أم أدبية) تساعدك على البحث عن إلهام, توسع مداركك, تزيد من معرفتك, ومن حصيلتك اللغوية وفهمك لقواعد وأساسيات اللغة, وكيفية بناء تسلسل منطقي في السرد, وخلق حجج قوية عند عرضك ارائك ونتائجك ( اقرأ المزيد عن فوائد القراءة).

من النصائح التي وجدتها مفيدة هي قراءة رسائل الماجستير والدكتوراة في مجال بحثك وماجاوره (خصوصا رسائل المتخرجين حديثا من قسمك ومعملك), حتى لو كنت في المرحلة الضبابية الأولى من دراستك بلا جذوة من نار تهتدي بها لموضوع بحثك. هذا النوع من القراءة يخلق لك تصورا عن ماذا سينتظرك, وماهو المتوقع منك, وماهو حجم رسالة الدكتوراة الكافي للتخرج, وماهو مستوى اللغة المقبول الذي عليك ان تحققه, وماهي الأوجه التي يجب عليك التركيز عليها في هذه المرحلة لتطوير لغتك ومهاراتك الكتابية.

 أيضا القراءة في الأبحاث المنشورة في مجال تخصص تساعدك على خلق بنك للمفردات المتخصصة (Jargons) التي يستخدمها زملائك الباحثون في نفس المجال, وعلى التدرب على كيفية صياغة أسئلة البحث وكيفية قياسها, وكيفية تحليل وعرض النتائج بطريقة متوائمة مع معايير تخصصك.

القراءة هي عادة يجب أن تستمر في جميع مراحل دراستك وكتابة بحثك وليس فقط في مرحلة الاستعداد. الفرق ان في كل مرحلة, يكون هدف القراءة مختلف, فالهدف في مرحلة الاستعداد هو القراءة من أجل الاستعداد اللغوي والكتابي.

 

  • ابحث عن المُرشد

[source]

 

الإرشاد مهم جدا فأنت بالأخير لم تولد كاتبا وبحاجة الى التوجيه والإرشاد المستمر والتغذية الراجعة حول الطريقة الصحيحة للكتابة الأكاديمية. هناك تجارب مختلفة كانت للطلاب من حولي في بحثهم عن الإرشاد. أحد الزميلات في بريطانيا استعانت بكاتب روائي يعمل في الإرشاد اللغوي كعمل جزئي. قام بمتابعتها منذ اليوم الاول لها في الجامعة, وكان يطلب منها واجبات كتابية (لم تكن تتعلق ببحث الدكتوراة)  بشكل دوري يقوم بتصحيحها وتقديم تغذية راجعة لها تتضمن الأخطاء وتقرير عن المهارات التي تحتاج إلى المزيد من الصقل. مشكلة هذا النوع من الأرشاد أنه مكلف ويحتاج إلى ميزانية ليست بهينة.

الطريقة الأخرى للإرشاد قد تكون باستخدام خدمات التدقيق اللغوي او proofreading   لأي تقرير قمت بكتابته في هذه المرحلة. لأكبر استفادة احرص أن يتابعك نفس المدقق اللغوي في كل المرات التي ترسل فيها طلب تصحيح, وأن يكون هذا المدقق اللغوي ذا معرفة بخلفية البحث. توجد خدمات متنوعة على الويب يمكن الاستفادة منها, مثلا في Scribendi  يمكنك اختيار المرشد اللغوي وتحديد الخلفية العلمية لبحثك. هناك أيضا منصة Grammarly  المبنية على الحوسبة السحابية والتي تدقق كتاباتك بطريقة اوتوماتيكية.  مع الوقت ستتطور مهاراتك الكتابية بشكل ملحوظ وقد تصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها للتدقيق اللغوي. ولاينصح بتأجيل التدقيق اللغوي لمرحلة كتابة الرسالة لان الاستفادة من هذه الخدمة ستكون جدا محدودة.

مازال هناك جدل دائر حول وجود خط ضبابي بين التدقيق اللغوي والسرقات الأدبية خصوصا إذا كان التدقيق يتضمن heavy editing الذي قد يؤدي إلى تعديل جذري لمادة الكتابة. لذلك يجب أن تكون حريصا على نوع الخدمة المقدمة من المرشد اللغوي. وكذلك تحقق من طريقة ارسال مادة الكتابة إلى المدقق اللغوي, حيث يفضل أن ترسل عبر الايميل أو أن تشفر في خادم موقع الخدمة, فاحتمال اكتشاف برنامج الترنت ان turnitin الكاشف للسرقات الأدبية  للنسخ الغير مشفرة وارد (تقوم أغلب الجامعات باخضاع رسائل الماجستير والدكتوراة الى اختبار برنامج الترنت ان turnitin. اقرأ كيف يعمل هذا البرنامج).

ومن أحد الطرق المهمة المجانية هي الحصول على التغذية الراجعة من مشرفك بشكل مستمر. تعتبر التغذية الراجعة من أحد أهم واجبات المشرف (والتي يتملص منها للأسف الكثير من المشرفين من خلال تجارب الطلاب من حولي). أدين بالفضل بعد الله لمشرفي في مرحلة الدكتوراة حيث تعلمت منه أسس الكتابة الأكاديمية عبر التغذية الراجعة المستمرة التي كنت احصل عليها منه في المسودات التي كنت أقدمها له, خصوصا في أول سنة من الدكتوراة. من المهم أن تتعلم  النموذج العقلي (mental model) لمشرفك عبر قرائتك لتغذيته الراجعة واطلاعك على أسلوبه في الكتابة , وذلك من خلال الأبحاث التي قام بنشرها. تعلمك هذا سيفيدك في تطوير كتابتك وكذلك في خلق لغة تواصل مفهومة بينك وبين المشرف في الكتابة.

ولا يمنع أن تطلب رأي زملائك في المعمل ممن سبق لهم النشر مثلا أو من هم في مراحل متقدمة من الكتابة في مراجعة ما تكتبه. بعض الجامعات تقدم كذلك خدمات ارشادية  كالدورات الكتابية ودورات الإرشاد في كتابة الرسالة, حيث يمكنك استغلالها في تطوير مهاراتك.

 

تنويه: بعض الطلاب يقوم بتوظيف شخص متمكن كتابيا لكتابة ابحاثه ورسالته للدكتوراة, وهذا بالطبع باب من أبواب السرقات الأدبية plagiarism والتي لا يقرها شرع ولا عرف, وهو ليس من أشكال الإرشاد التي أقصدها هنا. شخصيا أعرف حالة لم تنجح في الاختبار اللفظي لان مثل هذا النوع من السرقات من السهل جدا اكتشافه.

 

  • حتى لايخبو ضوء الالهام, دون افكارك

[source]

 

 

الأفكار الكتابية الخلاقة قد تداهمك في أي لحظة خارج مكتبك: تحت الدش, أو في النادي, وأنت تطبخ, في أحلامك, في زحمة خريص الخ.. هذه الافكار ضيوف عجلون, ان لم تلح عليهم بالبقاء عبر التدوين فقد تفقد الاتصال بهم مرة اخرى وأنت في زحمة الأشغال. لذلك تعلم مهارة التدوين (على الماشي).

من أهم أدوات التدوين والتي اشتركت فيها عقول عظيمة كانشتاين و دا فينشي, وفقا لهذا المقال, فكانت استخدام مفكرة شخصية على الدوام لتدوين الأفكار الطارئة والتعليقات و الإلهامات وكذلك للتخطيط ورسم الخرائط العقلية والتصاميم  والرسوم البيانية المختلفة. الميزة في هذا النوع من التدوين هو عدم التزامك بقواعد اللغة و انما الاكتفاء بلغة صادقة لكتابة رسائل تذكيرية لنفسك.

لكن أحيانا قد تكون على عجلة فربما استخدام المفكرة الشخصية لايكون حلا عمليا. إحدى البدائل أن تسجل أفكارك صوتيا باستخدام أجهزة التسجيل المختلفة المتوفرة على الهواتف الذكية, أو عبر المساعدين الافتراضيين كأليكسا  و google assistant , أو حتى كتابيا عبر برامج التفريغ الصوتي المتوفرة في كل هاتف ذكي (لتفريغ ملفات صوتية سابقة اقرا مقالتي هذه).

 من الأمور المجنونة التي كنت أقوم بها من وقت لآخر: بدلا من القيام بالتسجيل الصوتي كنت أقوم بتسجيل فيديو لنفسي وانا أعبر عن أفكاري. كنت أقوم بذلك لأني مؤمنة بأن الصورة قد تنقل ما يعجز عن نقله الصوت. صدقا, كان هناك شيء مختلف عندما أرى وجهي وأنا اتكلم وعندما أرى يداي تعبران عن الحلول الممكنة للمسألة )الكلام البصري يحمل رسائل مبطنة تزيد من غنى محتوى الرسائل المرسلة). اقتبست الفكرة من فيلم ذا مارشيان The Martian عندما قام رائد الفضاء مارك واتني بعمل تسجيلات فيديو يومية لتوثيق محاولاته للنجاة (لم أكن وقتها أوفر منه حظا وانا احاول النجاة في البحث عن حلول لمسالة تقنية معقدة)

 

 فيديو 1: مارك واتني يوثق يومياته بشكل يومي لبحث عن الحلول الممكنة للنجاة من على سطح المريخ

 

كنت ايضا استخدم الكاميرات لتصوير اعدادات أجهزة معينة أو كيفية بناء أداة أو قياس معلومة ثم تفريغ الفيديو لاحقا لكتابة ما صورته. الصورة فادتني .. ربما تفيدك.

 

  • اشحذ فأسك واعد العدة

[source]

 

في هذه المرحلة, تعرف على أدواتك التي سترافقك طيلة مرحلة الكتابة: محرر النصوص والصور ومحلل النتائج.

أشهر محرر نصوص لدى الباحثين هو محرر LaTeX  المخصص لانتاج التقارير التقنية العلمية. هنا تجد مقارنة بين اللايتكس والوورد الذي يستخدمه الكثيرون, والتي ترجح كفة اللايتكس على الوورد لكفائته في إدارة التقارير الطويلة و جودة التنسيق والاخراج وبناء رسومات أنيقة (باستخدام  (TikZ ودعمه للكثير من التنسيقات العلمية بالإضافة الى مجانيته.  لكن استخدام اللايتكس ليس بالسهل مقارنة بالوورد ويحتاج الى وقت للتعلم والإتقان. لذلك من المهم استغلال هذه المرحلة من البحث في التدرب على اللايتكس واستخدامه لانجاز التقارير المطلوبة. هنا بعض المراجع المفيدة:

تعرف كذلك على أدوات تمثيل البيانات وطرق تمثيلها المختلفة. يمكنك استخدام fake data  او بيانات مزيفة لتدريب نفسك على طريقة عرضها. هناك عدة أدوات مختلفة لعرض البيانات, مايكروسوف اكسل هو أشهرها ويمكنه عرض النتائج بطريقة انيقة, لكنه غير عملي اذا كانت البيانات كثيرة. شخصيا كنت استخدم لغات البرمجة لكتابة أكواد أخصص فيها طريقة العرض, مثلا لغة بايثون او الماتلاب. هذا الأكواد تقوم بتصدير الصور على هيئة EPS files  والتي يمكن تضمينها في اللايتكس لعرض صور اكثر جودة. هذا المقال يعرض أدوات مختلفة لعرض البيانات الضخمة. يمكنك كذلك الاطلاع على الأوراق العلمية ذات العلاقة لبعض الالهام حول كيفية عرض البيانات المختلفة.

 

 

  • راقب وتعلم watch n' learn

 

[source]

لابد أنك لاحظت أن هناك لغة مختلفة يستخدمها الأكاديميون في حواراتهم خلال الاجتماعات والحفلات الرسمية, و في نقدهم للعروض والتقاريروالرسائل, وخلال إبداء الآراء أو الاعتراض عليها,  وعند الثناء والمدح, والذم والجلد, و حتى عند إلقاء النكت. هذه هي اللغة الاكاديمية والتي قد تكون ضيف جديد على أذنيك حتى ولو كنت متمرسا في اللغة. لهذه اللغة خصائص معينة, منها الوضوح والدقة و الحيادية والتحفظ عن التعبير عن الآراء دون دليل قوي يسندها والمصداقية. قد يقول قائل أن ما تقرأه في المسح الأدبي يكفي لتعلم مثل هذه اللغة, لكن في رأئي أنه ليس هناك أفضل من التطبيق المباشر والممارسة المستمرة عبر المراقبة والتفاعل مع الأكاديمين الكبار, فما يقدمه الأكاديمي الرفيع المستوى في جامعتك لا يقتصر فقط على التغذية الراجعة والنصائح والأرشاد, بل يقدم أيضا دروسا غير مقصودة يقدمها سلوكه المحكي والمرئي.

 

 في السنة الأولى من الدكتوراة, كنت أستأذن مشرفي في تسجيل اجتماعاتنا الاسبوعية لرغبتي في التركيز معه وفي نفس الوقت حتى أتأقلم مع لكنته الانجليزية التي لم تألفها أذناي (بسبب تعودي على اللكنة الامريكية). بعد نهاية الأجتماع, كنت أعود إلى مكتبي وأفرغ الملف الصوتي يدويا. ومع تكرار فعل ذلك أسبوعيا تجمع لدي بنك من مفردات اللغة الأكاديمية وبدأت أمارسها في حديثي مع المشرف وزملائي في المعمل. كما كنت أراقب في البانل الشهري كيف يتكلم مشرفيَّ مع بعضهم البعض وكيف هي تعابير وجوههم المصاحبة لأحاديثهم, وإذا تبادلنا الرسائل الإلكترونية (على شاكلة ثريد طويل خصوصا اذا كنا نناقش مسالة هامة) كنت احتفظ بها حتى أدرس طريقة الكتابة في حال احتجتها مستقبلا. أحب ان أنوه, أن هذا النوع من التعلم يجب ألا يتحول إلى استنساخ, اي تقمص شحصية مشرفك كاملة, فكنت أرى كثيرا من الطلاب من يتقمص شخصية مشرفه حتى في الأمور الغير ضرورية مثل طريقة تعابير الوجه, والابتسامهة وحتى طريقة الضحك! دراستك الاكاديمية هي فرصة عظيمة لتكوين شخصية أكاديمية مستقلة معتزة بآرائها. لذلك خذ المفيد وقدمه بطريقتك الخاصة وأسلوبك المميز الذي لا يشبهه أحد.

 

 

  • قدّر الغير متوقع

[source]

 

كأغلب طلبة الدكتوراة, لم تكن كتابة الرسالة أمرا يسيرا على الرغم من وجود فصول شبه مكتملة على هيئة ابحاث تم نشرها قبل الشروع في الكتابة. لكن ذلك لم يشفع لي على الإطلاق اذا كان لابد من بذل المزيد من الجهد الخارق لتركيب صورة كاملة من قطع البازل المتفرقة. كنت في غيابة الجب في الست الشهور الاخيرة التي تسبق موعد التسليم النهائي اعمل كعبد أجير حتى اكتب قصة مكتملة الأركان من النتائج التي حصلت عليها.  قد يسأل سائل لماذا اذن ست شهور؟ الم تكن لديك سنة كاملة مخصصة للكتابة؟ نعم كانت هناك سنة كاملة تمنح للطلاب الأجانب في الجامعات البريطانية لإتمام كتابة الرسالة مراعاةً لفارق اللغة, لكن لكن مايحصل على الأغلب أن بعض المشرفين قد يرى في هذه السنة الاضافية فرصة للقيام بالمزيد من التجارب حتى يقدم الطالب عملا متكاملا. سبب آخر لتأخير البدء في كتابة الرسالة كان تأخر صدور موافقة لجنة اخلاقيات البحث عن أحدى التجارب التي قمت بها بسبب غياب أحد المقيمين الاساسين. والأمر الأخير والذي قد يتفق معي فيه أغلب باحثي الدراسات العليا هو التغير المستمر لخطة البحث. في رأيي, هناك صورة مثالية في أذهان الباحثين المبتدئين في أن خطة البحث, أي اسئلة البحث وقائمة التجارب, تكون محددة بداية دراسة الدكتوراة, وثابتة طوال هذه المرحلة, وهذا بالطبع يخالف الواقع بشكل كبير. خطة البحث يسيرها بشكل كبير النتائج التي تحصل عليها وكذلك المسح الادبي الذي يجب عليك تحديثه بين الفينة والاخرى. فمن النادر جدا أنك تلتزم بخطة البحث المذكورة في المقترح البحثي او تقرير الترقية, وبالتالي لابد من تقدير هذا التأخير المتوقع عند اعداد الخطة الزمنية لبحثك.

 

 

الشاهد, قد تكون ملتزما بالإطار الزمني لخطة البحث, لا تضيع وقتا ولا تألو جهدا, لكن يحدث مالا تتوقعه ولا ترقب حدوثه فتقع في فخ التأخير, لذلك من الأسلم أن تضع ما يمسى ب (contingency plan)  أو خطة طوارئ في إطار بحثك الزمني تكون مدتها لا تقل عن ست أشهر, و توضع كآخر مهمة في جدولك الزمني (Gantt chart)  تسبق مباشرة موعدك المتوقع لتسليم البحث.

 

 

  • دور المشرف

 

هناك لبس لدى الكثير من الطلاب في فهم دور المشرف الحقيقي. هذا اللبس عززته أنظمة التعليم المدرسية وحتى الجامعية, والتي تلبس الطالب قبعة المتلقي وتجعل التواصل بين الطالب والمعلم أحادي الأتجاه (طبعا من جهة المعلم فقط). صحيح أنك طالب دكتوراة, لكن الجامعات والمؤسسات التعليمية تعاملك معاملة الموظف ( بعض الجامعات تصرف كذلك راتب لطالب الدكتوراة), و قد يكون لك مهام اخرى غير الدراسة كالتدريس وبعض الأعمال الإدارية. لذلك كبداية, تخلي عن دور الطالب التقليدي حتى تفهم دور المشرف. ليس بدور المشرف أن يلقمك المعلومات أو أن يحدد لك ماهي أسئلة البحث او ماهي منهجيتك وتجاربك أو يشرح لك كيف تقوم بجزءك العملي أو كيف تكتب أوراقك العلمية للنشر او حتى كيف تكتب رسالتك. انت وحدك من سيقوم بهذا كله, ودور المشرف يتجلى فقط في الإرشاد وفي تقديم تغذية راجعة حول ما تقوم بكتابته. أنت القائد هنا والموجه لسفينتك حتى تصل لبر الأمان, وتأكد انك في المراحل المتقدمة ستكون أكثر الناس على الأرض علما بما تقوم به, أكثر حتى من المشرف ذاته.  

 

 

مرحلة استعد Steady

 

توقيت المرحلة: بعد أن سلمت تقرير الترقية او المقترح البحثي وحتى نهاية اكتمال الجزء العملي والتجارب.

 

في هذه المرحلة, ستتضح لك أسئلة البحث وتتبين لك المنهجية بشكل جزئي شبه كامل وتبدأ بتفنيذ خطتك البحثية و تجري تجاربك. في هذه المرحلة كذلك ستبدأ فصلا جديدا من الكتابة حيث تنتقل من كتابة التهيئة الي الكتابة الفعلية والتي ستشكل مخرجاتها أجزاء كبيرة من رسالتك النهائية. مخرجات هذه المرحلة على الأغلب تتضمن التقارير الدورية, تقارير المشرف والأبحاث التي ستقوم بنشرها ان شاء الله في المؤتمرات أو المجلات والدوريات العلمية. لذلك, استخدم كل ما تعلمته من المرحلة السابقة وانطلق متوكلا على الله.

 

 

  • اجمع ادلتك

[source]

 

أهم متطلب يجب أن يتحقق في رسالة الدكتوراة هو أن تكون إضافات بحثك للمجال العملي أصيلة (بمعنى لم يسبقك أحد عليها). لذلك لابد أن تتحقق من أنه لا يوجد بحث سبق نشره له أضافات او contributions   تتطابق مع ما تنوي فعله.

 

ابحث كأنك متيقنا بوجود هذا العمل السباق بكافة الطرق والوسائل الممكنة:

  1. ابحث في جوجل بنسختيه العام والعلمي Scholar مجربا جميع الكلمات الدلالية والتعابير المختلفة. لا تكتفي بالمصطلح العام لما تود البحث عنه بل ابحث عن المفردات المشابهة لهذا المصطلح ,مثلا الانجليزية الأمريكية قد تستخدم مصطلح مختلف عن الانجليزية البريطانية. كذلك, ذات المصطلح يتم تناوله بشكل مختلف من تخصص الى اخر, لذلك كن على اطلاع بكافة المفردات التي يمكن ان تقع تحت مظلة المصطلح المطلوب.

  2. ابحث في المجلات العلمية والموتمرات ذات العلاقة, وما نشر حديثا في نفس المجال, واقرأ المراجع التي تم استخدامها في هذا الابحاث وتتبع تاريخ اقتباسها في جوجل سكولار(cited by) وكذلك الأبحاث ذات العلاقة (related articles).

  3. ابحث في قواعد بيانات رسائل الدكتوراة العلمية.

  4. أبحث عن الأشخاص اللامعين في تخصص البحث. أقرأ ابحاثهم وكذلك الابحاث التي أشارت لابحاثهم.

  5. ابحث عن المنجم البحثي: Survey/review paper  منشورة في تاريخ حديث (2018 مثلا) عن مجال بحثك. على الأغلب سيسرد هذا البحث أهم التطورات في مجالك. وكذلك أبحث عن ريفيو بيبر ذهبية مفصلية ولكن قديمة في مجالك تمت الاشارة اليها من قبل عدد كبير من  الابحاث, فقد تجد العمل السباق متخفيا تحت cited by  .

  6. تويتر وما أدراك ما تويتر. أهم الابحاث ذات العلاقة في مجال لم أجدها لها ذكر إلا في تويتر بعد متابعتي للأسماء اللامعة في مجالي والمجموعات البحثية و المؤتمرات  والهاشتاقات المختصة. الكثير من الباحثين يعلنون عن أبحاثهم الحديثة النشر في تويتر مما يجعلك في متابعة مستمرة لتطورات تخصصك.  بعد فترة,  أصبح تويتر يقترح لي أسماء لمغردين وكذلك تغريدات في مجال بحثي بناء على سجل استخدامي لتويتر. وجدت Research Gate كذلك جدا ممتاز في اقتراح الابحاث التي قد تكون ذات علاقة والتي لم يسبق لي الوصول اليها عبر 1 و 2.

  7. حضور المؤتمرات السنوية في مجال تخصصك للاطلاع على الجديد من الأبحاث والتحدث مباشرة مع أصحابها. اذا كان هناك PhD students symposium/exhibition/meeting فاحرص على حضوره للتعرف على الأعمال البحثية تحت الانشاء. بعض هذه المؤتمرات لا تنشر هذه الاعمال ضمن كتيبها لذلك لن يكون لديك علم عنها سوى عبر الحضور.

قائمة أدلتك يجب ان تبدأ في جمعها ضمن السنة الأولى وتحدثها قبل أن تبدأ في الجزء العملي. مخاطر تأجيل هذه الخطوة يتضمن اكتشافك المتأخر في وجود عمل سباق بعد أن قطعت الطريق في جزئك العملي وبالتالي قد يصبح ما انجزته بلا قيمة. اطلاعك على الأدلة كذلك يساعدك في الحصول على ما أسميه template paper وهو بحث مثالي في مجالك يمكنك اعتماده كمرجع  أساسي في طريقة الكتابة العملية للتجارب وكذلك في التخطيط السليم لمنهجية البحث.

 

 

  • وثق تجربتك

[source]

 

بعد أن تأكدت من أصالة عملك, حان الأن وقت البدء في جزءك العملي أو تجربتك. في مجال علوم الحاسب, على الأغلب ستقوم بعمل technical implementation  للعمل الذي اقترحته ومن ثم اختباره أو تقيمه أو التحقق من فعاليته. بعد انتهاءك وحصولك على النتائج (سيئة كانت أم جيده لا يهم فأنت حصلت على نتائج), ابحث عن مؤتمر أو مجلة علمية (على حسب قوة نتائجك وحجم عملك) مهتمة فيما فعلت. ضع موعد التسليم في تقويمك, وحمل قالب البحث من الموقع وابدأ في توثيق تجربتك ونتائجك. لا تنتقل لتجربة أخرى أو جزء عملي أخر حتى تنتهي من التوثيق, وذلك لعدة أسباب:

 

  1. سيصبح لديك مادة جاهزة للنشر العلمي, والنشر العملي قبل تسليم الرسالة والاختبار الشفهي نقطة قوية لصالحك وقد تزيد من حظوظك بشكل كبير في النجاح بتعديلات طفيفة (أو حتى بدون وان كانت حالات نادرة).

  2. سيصبح لديك فصل شبه مكتمل من فصول رسالتك, يحتاج فقط لقليل من الجهد وقت كتابة الرسالة الفعلي لتوسعته واضافة المزيد من التفاصيل ليصبح فصلا متكاملا.

  3. مع الكتابة سيتسع أفقك بمزيد من الأفكار للتجارب اللاحقة, وسيصبح لديك تصور أكبر بالقصة العامة للرسالة.

 

يحبذ بعد نهاية الكتابة أن ترسل ما كتبته للتدقيق اللغوي حتى تحسن من لغتك وتتعرف على أخطائك لتتفاداها عند توثيقك للتجارب اللاحقة . فعلك ذلك سيزيد من مستوى جاهزيتك لارسال بحثك للنشر او تضمين ما كتبته كفصل في الرسالة. مرة أخرى, من الأخطاء التي يقع فيها طلبة الدكتوراة اخضاعهم رسالتهم للتدقيق اللغوي مرة واحده بعد الانتهاء من الرسالة وهذا لا يكفي ابدا لانك تحتاج إلى تغذية راجعة مكثفة حتى تصل لمرحلة ان يكون عندك well written thesis. ولا تنسى المشرف, قد تكون هذه فرصتك الوحيدة لأخذ تغذية راجعة مكثفة منه (وليس وقت الرسالة لانشغاله).

 

 

أيضا قم بتوثيق تجاربك الأولية الاستطلاعية, محاولاتك الغير ناجحة وجميع المعلومات الغير مناسبة للنشر العلمي ولكن يجب ذكرها في الرسالة. يمكن توثيقها في التقارير الدورية أو في تقارير المشرف واحتفظ بها لحين كتابة الرسالة. بعد نهايتك من توثيق جميع التجارب, اصبح الأن لديك جدول محتويات او table of contents جاهز. انطلق الأن لكتابة الرسالة.

 

 

 

مرحلة انطلقGO

 

توقيت المرحلة: انتهيت من المسح الأدبي والاجزاء العلمية وحان الان موعد كتابة الرسالة النهائية.

 

 

  • أكمل بناء الفصول

 

بعد أن كونت نواة كل فصل بتوثيق تجاربك, قم الان باكمال بناء هذا الفصل عبر إضافة المزيد من المعلومات. صحيح انك كونت مادة جيدة للنشر لكن لابد انك اختزلت الكثير من المعلومات المهمة بسبب محدودية مساحة الكتابة. معلوماتك الاضافية قد تتمثل في إضافة المزيد من مراجع المسح الأدبي, إضافة المزيد من التفاصيل التقنية للجزء العملي, أضافة المزيد من الاختبارات الاحصائية ونقاط تحليل البيانات, نقاط القصور في منهجيتك والحلول المقترحة لمعالجة هذا القصور, والعمل المستقبلي لمزيد من التحسينات, والكثير الكثير من الصور. يمكنك الاستفادة من جميع التقارير السابقة التي قمت بكتابتها كتقارير المشرف والتقارير النصف سنوية لجمع أكبر عدد من المعلومات. من المهم كذلك ربط الفصول مع بعضها البعض عبر كتابة توضيح في مقدمة الفصل الحالي عن كيف ان الفصل السابق قادنا الى هنا و كذلك اضافة سطرين تعريفيه للفصل اللاحق في خاتمة الفصل الحالي. إذ أنت أتممت ذلك فتهانينا, أصبح لديك فصول جاهزة وأتممت كتابة 70 بالمئة من رسالتك.

 

 

 

  • اصنع القصة

 

بعد أن انهيت كتابة الفصول, حان الان وقت أن تنسج قصة مقنعة من النتائج التي حصلت عليها. اكتب عناصر متسلسلة من قصتك ثم أعرضها على مشرفك او من تثق به أكاديميا, وواصل تحسينها إلى ان يصبح بحوزتك قائمة عناصر لقصة شديدة الإقناع. من المهم أن تجد ربطا جيدا بين عناصر قصتك ( أي تجاربك) يبرر فيه سبب قيامك بهذا التجارب ولماذا جاءت بهذا الترتيب. تبدأ قصتك باستعراض الدافع او motivation  خلف هذا العمل يتبعها بعد ذلك أسئلة البحث وفرضياتك المبدئية your hypothesis  ومن ثم أجوبتك على أسئلة البحث المتمثلة في التجارب التي ستقوم بها. بعد ذلك, اذكر ماهي المنجزات البحثية الناتجة من تجاربك (Thesis contribution). اذا كانت النتائج تدعم فرضياتك فمبروك لقد وفرت على نفسك جهدا في التبرير, أما اذا كانت نتائجك تخالف الفرضيات فعليك هناك أن تصنع تبريرا مقنعا. النتائج السيئة ليست سيئة على الإطلاق ولا تلغي أنك قد صنعت إضافة او contribution  للبحث, بل بالعكس بعض التبريرات قد تكون أقوى من النتائج الجيدة وقد تقود إلى تجارب مفصلية في تاريخ العلم الحديث. بعد أن تتم ذلك, اشرح ما ستعرضه رسالتك من فصول مع شرح مبسط لكل فصل. إن أنت انهيت ذلك فعلي قول تهانينا! أصبح لديك فصل المقدمة Introduction  وهو فصل مهم جدا لانه عتبة باب رسالتك ويمكن للممتحن او المحكم الحكم على رسالتك فقط من هذا الفصل.

 

 

قم بعد ذلك باعداد مخلص لما تحتويه رسالتك: ابدأ بذكر الهدف الرئيس من عملك, ثم تتطرق لكل فصل ذاكرا وصفا موجز لمنهجية الفصل والنتائج التي حصلت عليها. اتبع ذلك بسطور مفصلة للعمل المستقبلي لرسالتك. إذ أنت اتممت ذلك, فتهانينا: انتهيت فصل الخاتمة.

 

و أخيرا قم بكتابة العناصر الأساسية لرسالتك على شكل نقاط. اكتبها وكأنه قد طلب منك أن تشرح رسالتك كاملة في ثلاث دقائق. اكتبها بكل سلاسة ووضوح بحيث لو قرأها طفل في الثانية عشر سيتمكن من فهمها.  ثم اجمع هذه النقاط على شكل بارقرافات. اذ انت اتممت ذلك, فتهانينا: انتهيت من الملخص.

 

 

*من الأفضل تأجيل كتابة المقدمة والخاتمة والملخص الى ما بعد كتابة الفصول.

 

 

  • الرتوش الأخيرة

 

  • راجع مراجعك و تأكد من اكتمال معلومتها. الطريقة الافضل للتأكد من اكتمال معلومات المراجع هو الذهاب إلى موقع الم}تمر أو المجلة لهذا المرجع ثم استيراد معلومات bibtex  منها. كنت سابقا استقي معلومات المرجع من google scholar  مباشرة لكن بعد عدة محاولات وجدت ان المعلومات التي يقدمها سكولار على الأغلب ناقصة.  تأكد كذلك من استخدامك لجميع المراجع.

  • يمكنك استخدام النص المباشر لاي عمل قمت بنشره سابقا مع الاشارة الى البحث المنشورعند اقتباسك لاي نص.

  • راجع صورك وجداولك وتأكد من وصف الصورة او الجدول  (caption) واضح بحيث لا يحتاج القارئ العودة للنص للمزيد من الشرح. وكذلك تأكد من إشارتك للجدول والصورة برقمهما الصحيح في النص (لايتكس سيجعل حياتك أسهل هنا لاستخدامه الوسوم الأوتوماتيكية في الاشارة للصور والجداول).

  • في حال استخدامك لأي صور ليست من انتاجك فتأكد من حصولك على الأذونات من أصحابها. ببساطة يمكنك مراسلتهم وطلب الأذن منهم والإشارة في كابشن الصورة انك قد حصلت على الاذن المسبق من صاحب الصورة. كذلك, موقع Wikimedia Commons يقدم العديد من الصور البحثية المناسبة مع أذوناتها. عندك اختيارك لاي صورة, اطلع على خانة permission لمعرفة ما اذا كان الاذن متوفر ام لا.

  • عند استخدامك للاختبارات الاحصائية, تعرف على الطريقة السلمية والكاملة لكتابة نتائج الاختبار (مثال).

  • من الأفضل معرفة واختيار الممتحن قبل تسليم الرسالة. معرفة الممتحن سيتيح لك الاطلاع على أبحاث الممتحن وربما إضافتها لقائمة مراجعك (إذا كانت ابحاثه ذات علاقة), وكذلك التعرف على رسائل طلابه لفهم طريقته في التقييم.

  • ارسل بحثك للتدقيق اللغوي. يمكنك كذلك اخضاع بحثي لاختبار تجريبي لاكتشاف السرقات الأدبية plagiarism  باستخدام موقع writecheck  (على افتراض انك بالطبع لم تقتبس أعمال غيرك ولكن للتحقق من عدم وجود اقتباس مباشر غير مقصود).

 

  • الجانب المظلم من الدكتوراة

 

[source]

 

كشفت دراسة حديثة على مايقارب 3700 طالب دكتوراة من جامعات بلجيكا, ان 51% من الطلاب اظهروا على الأقل عرضين أو أكثر من أعراض سوء الصحة النفسية الناتجة عن الضغوط النفسية, وان 32% من الطلاب اظهروا مالا يقل عن أربعة أعراض للاضطرابات النفسية تتضمن الشعور بالضغط المستمر, و الاكتئاب, وفقدان النوم بسبب القلق ، وعدم القدرة على التغلب على الصعوبات أو الاستمتاع بالأنشطة اليومية. خلال الجزء العملي, اصبت بحساسية مزمنة لم أعرف لها سببا او علاجا رافقها صداع مزمن لا يختفي من دون مسكن. تطورت الحالة خلال مرحلة الكتابة, وأثناء محاولاتي المستميتة لتسليم المسودات للمشرف في الوقت المطلوب, حيث زرت المستشفى عدة مرات لأعراض غير مألوفة لم أعهدها مسبقا (احدها كان اشتباه بأزمة قلبية). عندما سلمت رسالتي, وفي الوقت الذي كان الجميع من حولي يشجعني على الاحتفال, كنت أعاني من ضيق واكتئاب شديدين وكوابيس مزعجة لمدة لا تقل عن شهر. كذلك قضيت الفترة بين تسليم الرسالة والمناقشة في علاج أسناني التي تأثرت بالضغط المستمرعليها (اللاواعي). لم أكن أنا الوحيدة التي تعاني من هذه الأعراض. شاركتني الكثير من الزميلات والصديقات وأبدين أعراض مماثلة كان سببها الوحيد مرض العصر الحديث: القلق.

 

هل يمكن تفادي هذا الوضع؟ لا أعلم, فتجربة الدكتوراة تحكمها مجموعة من العوامل منها التخصص, وموضوع البحث, ودور المشرف وطبيعة علاقة الطالب معه, ووضعك الاجتماعي والدعم النفسي الذي تحصل عليه, سعة صبرك وتحملك ومثابرتك وغيرها من العوامل.

 

 

هل يمكن تخفيف وطأة هذه الضغوط؟ اتصور انه من الممكن ذلك ولكن تحت توافر ظروف معينة. اسرد بعضها كنقاط:

 

  • البرمجة العقلية: التوكل على الله وحسن الظن به و تمام اليقين ان الله عز وجل كما سهل وذلل ويسر وسخر لك السابق سيسهل ويذلل وييسر لك اللاحق. وكذلك, تذكر دائما أن الدكتوراة هي مرحلة مؤقتة وأن هذا الوقت بحلوه ومره سيمضى وسيبقى لك الذكرى الجميلة الدائمة.

  • وجود نظام دعم: مثلث نظام الدعم يتضمن الأسرة من شريك ووالدين وإخوة وابناء, المشرف, والاصدقاء من حولك. يكفي ان يكون لديك احد اضلاع المثلث, فوجود من يسمعك ويتابعك ويتفهم مشاكلك سيساهم بشكل كبير جدا في تخطي هذه المرحلة.

  • اعتني بصحتك: مارس الرياضة بشكل منتظم ولو ربع ساعة يوميا  فلا يخفى عليك دور الأنشطة البدنية في تحسين المزاج و رفع هرمون السعادة. واحرص على تناول الغذاء الصحي. الكثير من الطلبة تزيد أوزانهم في هذه المرحلة بسبب اعتمادهم على الأكل القمامي.

  • فاصل او بريك:ضمًّن أسبوع راحة في جدول كتابتك بعد انتهائك من فصل كبير أو فصلين صغيرين. في هذا البريك, مارس هواياتك و حاول ان لا تستخدم حاسوبك او تقرأ ما له علاقة برسالتك. الهدف ان تعود بروح جديدة وعقل صافً لتعاود الكتابة من جديد. كما احرص ان يكون لك جدولك الاسبوعي للتواصل مع العائلة او مقابلة الاصدقاء.

  • لا تقارن نفسك بغيرك: يقع الكثير من الطلاب في فخ المقارنة مع اقرانهم التي تسبب لهم الاحباط بشكل مستمر.المقارنة ليست منطقية على الاطلاق فكل طالب دكتوراة له وضع مختلف, حتى لو تشارك الطلبة في المشرف او المجال العام للبحث.

 

 

خاتمة

 

في هذا المقال استعرضت أهم الدروس التي تعلمتها خلال مرحلة الدكتوراة والتي أحب مشاركتها مع اخواتي واخواني الباحثين. مجال الصواب والخطأ فيها كبير فهي بالأخير تجارب واجتهادات شخصية. يسعدني كثيرا أن أحدث هذا المقال بتجاربكم الشخصية معنونه بأسمائكم إن أحببتم, فالهدف الاول والاخير هو نشر الاستفادة بين الجميع.

 

 

شكر وتقدير

 

اشكر والدتي الاستاذة عزة العثمان معلمتي الاولى. فهي, أطال الله في عمرها, من علمتني حب اللغة العربية و الكتابة القصصية والقواعد النحوية منذ نعومة اظفاري. انقطعت عن الكتابة باللغة العربية منذ زمن سحيق (اخرعهدي بها كان الصف الأول الثانوي) فشاخت قدراتي الأدبية, لكن ما تعلمته منك من أساسيات شكّل قاعة صلبة اتكأ عليها في عملي كباحثة (وإن كانت أوثق أبحاثي بلسان أعجمي).  دمتي لي ذخرا.

ارحب بجميع الملاحظات والاقتراحات فيما يخص المحتوي العلمي والترجمة.

* اعتذر مسبقا عن الاخطاء الاملائية واللغوية نظرا لاستخدامي لوحة مفاتيح غير معربة.

*اعتذر مسبقا عن ركاكة الأسلوب. فهذه المقالة كتبت تحت تأثير رمضان لاق.

*حقوق الملكية الفكرية لهذه المدونة محفوظة ل د.نجوى الغامدي.

Please reload